الشيخ محمد هادي معرفة

140

تلخيص التمهيد

وحديث ستَّة أو أربعة جمعوا القرآن على عهده صلى الله عليه وآله فمعناه : الحفظ عن ظهر القلب ، حفظوا جميع الآيات النازلة لحدّ ذاك الوقت . أمّا الدلالة على وجود نظم كان بين سوَره فلا . وأمّا حديث التحدّي فكان بنفس الآيات والسوَر ، وكلُّ آية أو سورة قرآن ، ولم يكن التحدّي يوماً مّا بالترتيب القائم بين السوَر ، كي يتوجَّه الاستدلال المذكور ! على أنّ التحدّي وقع في سوَر مكّية « 1 » أيضاً ، ولم يجمع القرآن قبل الهجرة قطعياً . واهتمام النبي صلى الله عليه وآله بشأن القرآن ، شيء لا ينكر ، ومن ثمَّ كان حريصاً على ثبت الآيات ضمن سوَرها فور نزولها ، وقد حصل النظم بين آيات كلِّ سورة في حياته صلى الله عليه وآله . أمّا الجمع بين السوَر وترتيبها كمصحف موحَّد فلم يحصل حينذاك ، نظراً لترقّب نزول قرآن عليه ، فما لم ينقطع الوحي لا يصحّ جمع القرآن بين دفَّتين ككتاب . ومن ثمَّ لمّا أيقن بانقطاع الوحي بوفاته صلى الله عليه وآله أوصى إلى عليّ عليه السلام بجمعه . ومعنى تواتر النصّ القرآني هو القطع بكونه وحياً ، الأمر الَّذي يحصل من كلّ مستند وثيق ، وليس التواتر - هنا - بمعناه المصطلح عند الاصوليّين . وأمّا استلزام تأخّر الجمع تحريفاً في كتاب اللَّه فهو احتمال مجرَّد لا سند له بعد معرفتنا بضبط الجامعين وقرب عهدهم بنزول الآيات وشدَّة احتياطهم على الوحي ، بما لا يدع مجالًا لتسرّب احتمال زيادة أو نقصان . وأخيراً ، فإنّ قولة البعض الأخيرة فهي لا تعدو خيالًا فارغاً ، إذ لا مناسبة ذاتية بين كلِّ سورة وسابقتها أو تاليتها ، سوى ما زعمه بعض المفسِّرين المتكلِّفين ، وهو تمحّل باطل بعد إجماع الامَّة على أنَّ ترتيب السوَر كان على خلاف ترتيب النزول بلا شكّ . إذاً لا يملك معارضونا دليلًا يثنينا عن الَّذي عزمنا عليه من تفصيل حديث الجمع ، وإليك :

--> ( 1 ) في سورة يونس : 38 ، وسورة هود : 13 ، وهما مكّيَّتان .